جولة 1

 

جولة

 

جولة2

 
كنيسة القديس سمعان PDF طباعة أرسل لصديقك
الأربعاء, 08 يوليو 2009 22:47

أقيمت الكنيسة حول العمود الذي قضى عليه القديس معظم حياته، وكانت على شكل صليب (شكل 5) مؤلف من أربعة أجنحة متعامدة في ما بينها ما عدا الجناح الشرقي الذي كان يميل مع الحنية 6 درجات أي 2.43م منحرفاً نحو الشمال. وقد ارتبطت الأجنحة مع بعضها حول العمود بواسطة شكل مثمن قطره 28م كانت تعلوه قبة خشبية عظيمة وكان يغطي كل جناح سقف خشبي مائل يستند على الجدران بجملونات مثلثية وربما أخذت فكرة الصليب من المدافن ذات الدهاليز الأربعة.
وتعتبر كنيسة سمعان جوهرة كنائس " المدن المنسية " ومن أجمل روائع الفن المسيحي ومن أعظم وأضخم الكنائس التي بنيت في العالم، قبل كنيسة آيا صوفيا (الحكمة المقدسة) التي بناها جوستنيان في القسطنطينية عام 537 م، فظلت فريدة بعظمتها وضخامتها حتى القرون الوسطى حيث بني كنائس أضخم منها على الطراز القوطي في أوروبا.
كان كل جناح بحد ذاته عبارة عن كنيسة ذات بهو رئيس وبهوين جانبيين يفصل بينهما صفان من الأعمدة والأقواس البديعة العالية، بينما بنيت الحنية في الجناح الشرقي حيث أقيم الهيكل فيها كما أقيمت في شماله غرفة الخدمة (الدياكونيكون) وغرفة الشهادة
(المرتيريون) في الجنوب وهما على شكل نصف دائري. ومما يذكر أن هاتين الغرفتين تكونان عادة في جميع الكنائس على شكل مربع أو مستطيل.
كانت جموع الحجاج تصعد من قرية تلاتيسوس سالكة الطريق المقدسة مارة تحت قوس النصر وهي تنشد التراتيل الدينية وتطوف حول العمود ثم كنيسة القديس مالئة أجنحة الكنيسة وهي تستمع إلى الصلوات المنطلقة من الجناح الشرقي الذي يقام فيه القداس أيام الآحاد والأعياد.
وأقيم في الجنوب الشرقي من حنية الكنيسة الرئيسة كنيسة صغيرة للرهبان ولتأدية الفروض والصلوات اليومية كما أقيم في جنوبها دير الرهبان بطبقتين.
لقد بلغت المساحة التي شغلتها الكنيسة الرئيسة وحدها 5000 م 2 بلغت مساحة الدير مع باحته والمقبرة 5000م 2 بينما شغلت كنيسة المعمودية مع ملحقاتها في الجنوب مساحة 2000م2 ليصبح مجموع مساحة البناء الكلي 12000م2.
أما طول الكنيسة من الشرق إلى الغرب بما في ذلك المثمن الأوسط فهو 100 م، ومن الشمال إلى الجنوب 88م وعرض كل جناح 24م.
وصف المثمن حول العمود:
قامت وسط مثمن الكنيسة قاعدة العمود المربعة يعلوها ما تبقى من عمود القديس، وهو قطعة من الحجر ارتفاعها حوالي المترين وقطرها حوالي 1.15م وهي كل ما تبقى من العمود الذي كان ارتفاعه حوالي 18 م، وقد تآكلت أطرافه بسبب تهافت الحجاج على أخذ ذخائر من عمود القديس سمعان للتبارك بها وحملها تذكاراً إلى بلادهم.
أما المثمن الأوسط فقد اتصل مع كل جناح من أجنحة الكنيسة المصلبة الشكل، بقوس عال متقن البناء يستند على عمودين ينتهيان بتاجين كورنثيين. وكان هناك أربعة أقواس فرعية أخرى وبنفس الارتفاع تشكل المثمن الرائع بأحجاره وأظفاره التي كانت تستند عليها ألواح القبة الخشبية وقد ازدانت بزخرفة صلبان مختلفة. وبهذا كان المثمن منفذاً بحيث يتمكن جميع المؤمنين الموجودين في أبعد نقطة من الأجنحة الأربعة للكنيسة من مشاهدة العمود المنتصب وسطه. وهذه الوحدة في الفراغ بين المثمن وأبهاء أجنحة الكنيسة أكملتها وحدة القياسات والأبعاد، إذ كانت عروض أبهاء الكنيسة مماثلة لطول ضلع المثمن وأطوالها مماثلة لقطره. بالإضافة إلى أن زخرفة المثمن استلهمت من زخارف وركائز وأعمدة أبهاء الكنيسة وبخاصة في تيجان الأعمدة من حيث النقوش والتركيب ونسب الأبعاد. وكان أن اجتمع لأول مرة في هذا المسطح لمكان الشهادة (المرتيريون) للقديس سمعان العمودي المثمن حول العمود وشكل الصليب في الكنيسة وكان شكلاً متجانساً رغم طول أبعاد أطرافه.

لقد تعرضت البلاد إلى هزات أرضية شديدة في العامين 526 و 528م هدمت معظم أبنية أنطاكية وربما سببت أضراراً كبيرة في كنيسة سمعان وبخاصة في المثمن الأكثر تأثراً بالزلازل مما جعله يفقد قبته ويبقى مكان العمود مكشوفاً للسماء دون غطاء كما وصفه لنا إفاغريوس الأنطاكي حين مروره بالكنيسة في 560م.
أما أرضية المثمن الحالية فهي عبارة عن بلاطات غطت الأرضية الصخرية حول قاعدة العمود، ويعود بناؤها إلى القرن العاشر للميلاد. وقد قام الباحث الألماني كرنكر بتحريات وتنقيبات في خريف العام 1938 في المثمن والجناح الشرقي للكنيسة وهو الذي أعاد ذلك الجزء المتبقي من العمود إلى مكانه فوق المصطبة المربعة.

أجنحة الكنيسة حول المثمن:
لقد تألف كل جناح من الأجنحة الأربعة حول المثمن من كنيسة ذات ثلاثة أبهاء على نمط الكنائس البازليك المعروفة في القرن الخامس في المنطقة. أما الجناح الغربي المنحدر والمطل على وادي عفرين فقد استند بأبهائه الثلاثة على ثلاثة أقواس قامت فوق ركائز وكأنها شرفة تطل من الأعلى على الوادي البعيد وقد قامت الأعمدة والأقواس تفصل بين الأبهاء الثلاثة في الكنيسة، لم يبقَ من هذه الأعمدة سوى قواعدها وبعض تيجانها. وتشاهد من هذا الجناح بقايا أديرة بلدة تلانيسوس المتناثرة بين دور قرية دير سمعان الحديثة. أما الجناح الشمالي للكنيسة فقد حفظت جدرانه الخارجية بشكل جيد وقد ضم جداره الشرقي تجويفاً حوى ثلاثة أضرحة ضخمة من القرن العاشر ربما لمحسنين أو لرجال دين عملوا خيراً للكنيسة ودفنوا فيها ليصلى من أجل راحة نفوسهم مع كل صلاة تقام في الكنيسة.
أما الجناح الجنوبي، وهو يماثل الأجنحة الأخرى في مخططه، إلا أنه يمتاز بواجهته البديعة بأبوابها ومقدمة مدخلها (نارتكس) (الصورة رقم 4) وأعمدتها وتيجان أعمدتها الكورنثية التي تميل أوراق الأكانت (الخرشوف) فيها مع الريح مرة إلى اليمين في أحد الأعمدة ومرة إلى اليسار في عمود آخر، بالإضافة إلى وجود أقواس تفريغ الحمولة أعلى سواكف الأبواب. وقد جرى ترميم بعض أجزاء من عناصر الواجهة من قبل تشالنكو وزملائه من العاملين في آثار حلب بدءاً من الثلاثينات وحتى الستينات، ومن بينهم المهندس جورج قلمكاريان. وتشاهد الأحجار المصفوفة في البهوين الجانبيين ومن بينها حجر حوى نقش الصليب بشكل حرفين وهما الحرفان الأولان من اسم السيد المسيح " خريستوس " باليونانية مع حرفي الألفا والأوميغا (الصورة رقم 6) أول وآخر حرف من الأبجدية اليونانية. وهذا تعبير استعمله القديس يوحنا، كاتب الرؤيا، عن السيد المسيح " أنا البداية والنهاية " (رؤيا يوحنا فصل 1 آية 8) . ومما يؤكد أن الكنيسة هي كنيسة حج إلى مكان عمود القديس سمعان العمودي وجود بابين للبهو الأوسط خلف مقدمة بناء الواجهة الجنوبية (النارتكس) المؤلفة من ثلاثة أقواس عظيمة. كان يستعمل أحد البابين للدخول والآخر للخروج لتنظيم مرور الحجاج العديدين.
أما الجناح الشرقي الذي ينتهي بثلاث حنيات نصف دائرية، فإن الهيكل يقوم في الحنية الوسطى ويتألف بدوره من ثلاثة أبهاء كانت تفصل بينها أقواس تستند على أعمدة وعددها في الجناح الشرقي تسعة، بينما هي في الأجنحة الأخرى سبعة أعمدة فقط. والبعد بين كل عمودين 3.5 م. لذا كان هذا الجناح الشرقي حيث تقام الصلوات أيام الآحاد والأعياد أطول من الأجنحة الأخرى. وقد قام كرنكر كما ذكرنا بالكشف عن أرضية كامل الجناح في 1938 بالإضافة إلى أرضية المثمن فأماط اللثام عن وجود زخارف مرمرية والكتابتين باليونانية والسريانية الدالتين على ترميم تم في القرن العاشر. كما قام تشالنكو بتغطية الكتابتين تمهيداً لنقلهما إلى أحد المتاحف، إلا أنهما لا زالتا في مكانهما وسط البهو الأوسط مغطاتين بالبيتون الإسمنتي. وتمتد الكتابة على كامل عرض البهو الأوسط في الأرضية المرمرية القديمة وهي عبارة عن سطرين مكتوبين بأحجار الفسيفساء البيض والسود وبأحرف ارتفاعها 12 سم مع كتابة سريانية كذلك وتملأ الكتابة سطرين وفراغاً بطول 7.84 م وارتفاع 31 سم وقد خربت بعض مقاطع من الكتابة بالكامل.
أما النص السرياني فيذكر : " بني جدار هذا الدير وبابه وزينته أيام تيودوروس... الأب سنة 1290" بحسب التقويم السلوقي ويوافق 979 م.
ويقول النص اليوناني : " أسس هذا الدير وجدد مع كنيسته من قبل تيودوروس تحت البطاركة.. وبازيليوس وقسطنطينوس القيصر الأب سنة 979 للميلاد ". أي أن الكتابة اليونانية تذكر بناء جديداً وتجديداً للكنيسة بينما يذكر النص السرياني بناء جدار ربما كان جدار التحصين الأخير الأخير وباب واجهة الكنيسة الجنوبية، وكلاهما تم في 979 م أي قبل فترة من تدمير الدير الذي جرى في 985 م على يد سعد الدولة بن سيف الدولة الحمداني.
ويعلمنا كرنكر بوجود تنقيبات سابقة جرت في العام 1902 على يد بعثة روسية، كشفت قرب درجات الهيكل، وسط الكنيسة الشرقية عن قطعة فسيفساء جميلة على شكل نجمة عرضها أوسبنسكي في نشرة معهد الآثار الروسي في القسطنطينية.
ويبدو من الثقوب الموجودة في أحجار جدران الكنيسة الشرقية أنها كانت مغطاة بألواح مرمرية. وقد تم مؤخراً ترميم الحنية والجدار الشمالي للكنيسة الشرقية. ويظهر واضحاً انحراف جناح الكنيسة الشرقي نحو الشمال لدى النظر باستقامة بين عمودين شماليين من المثمن من الجهة الغربية وباتجاه حنية الكنيسة الشرقية. وتمتاز الحنية الوسطى بخطوط زخرفة قوسها الكبير ووجود ست نوافذ على صف واحد سفلي للإنارة، ونافذة منفردة في صف علوي. أما الواجهة الخلفية لحنية الكنيسة الشرقية الرئيسة فقد ازدانت بوجود الأعمدة الناعمة بين النوافذ، كل عمودين أنيقين يتوضع أحدهما فوق الآخر بشكل جميل. وقد قام أفريز علوي من الأحجار الضخمة المنحوتة على شكل أصداف أو صنوبر، تزين أعلى الحنية، طول الواحدة 1.70 م. لا زالت الأحجار التي سقطت من هذا الإفريز تنتظر اليد الحانية لترفعها إلى مكانها السابق، وهي الآن مصفوفة ومرقمة من أيام تشالنكو. ويجدر بالذكر أن عدد أبواب هذه الكنيسة المصلبة هو 27 باباً يدخل منها إلى أجنحة الكنيسة الأربعة من خارجها.

دير كنيسة سمعان:
يشكل الدير الملحق بالكنيسة مع الجناح الشرقي والجنوبي باحة مستطيلة ويتألف من بناء ذي طبقة أرضية وطبقتين علويتين فوقها. يتقدم واجهته رواق ذو أعمدة ما عدا الواجهة الشرقية. خصص جزء من الطبقة الأرضية إسطبلاً لإيواء الحيوانات وقد أضيفت إليه بعض الجدران الفاصلة في القرون الوسطى، وكانت إقامة الرهبان فيه في الجهة الشرقية منه. أما في قسمه الجنوبي فتوجد ملحقات الدير الاقتصادية. هذا، وقد قامت إلى الجنوب الشرقي لجناح الكنيسة كنيسة الدير التي كانت تستعمل لصلوات الرهبان اليومية، كما ذكرنا، وهي أيضاً من طراز البازليك المؤلف من بهو رئيس في الوسط، وبهوين جانبيين بفصل بينهما أقواس وأعمدة. أما الحنية فهي باتجاه الشرق دائماً وإلى كل من جانبيها غرفة مستطيلة للخدمة في الشمال ولحفظ ذخائر الشهداء أو القديسين في الجنوب. وقد ارتمى في الزاوية الجنوبية الغربية من الكنيسة حجر كبير بديع الزخرفة، ربما كان غطاء جرن المعمودية المستعمل لعماد الأطفال، والقائم مع سوية الأرض شرق البهو الشمالي لنفس الكنيسة.
في الباحة الفاصلة بين الدير والكنيسة الكبرى، وفي طرفها الغربي تقوم منصة صخرية كأنها أعدت للخطابة. بينما قامت خارج الواجهة الغربية لكنيسة الدير أحواض صخرية لعلها كانت تستعمل معاصر لصناعة الخمور أو زيت الزيتون. وجدير بالذكر أنه لم يكن هناك أي بناء في الجبل عندما كان القديس سمعان على عموده، بينما تذكر إحدى الروايات أن جمهور الحجاج الذي كان يزور القديس سمعان وهو على عموده، لجأ إلى الدير القريب أثر هطول المطر الفجائي على الحاضرين.


مقبرة الرهبان:
تقع إلى الشمال من الكنيسة الكبرى قرب السور الشمالي مقبرة محفورة في صخرة واحدة تضم في كل من جدارها الشمالي والجنوبي ثلاثة قبور وفي الجدار الشرقي قبرين فيكون المجموع ثمانية قبور. وقد حفر تحت أرض هذه المقبرة (خشخاشة) وهي على شكل قبو، حفرت بكاملها في نفس الصخرة الواحدة بغية وضع عظام المتوفين القدامى فيها. وهناك قبر تاسع خارج مدفن الرهبان محفور في الجدار الشمالي الذي يشكل جزءاً من السور.
كنيسة المعمودية للبالغين:
على أثر انتشار الديانة المسيحية وإقبال الناس على الدخول فيها بكثرة بالغة، كان لا بد من إقامة مبنى خاص لتعميد البالغين والكبار من الناس.
لذلك أقيمت كنيسة المعمودية هذه على بعد 300متر تقريباً إلى الجنوب من الواجهة الجنوبية لكنيسة القديس سمعان وعلى ذات المحور الممتد شمال جنوب.
يتألف هذا الصرح من مبنى مربع أقيم في وسطه مثمن صغير في جهته الشرقية حنية حفر في أسفلها حفرة مستطيلة (بدلاً من الجرن) ومكسوة بالقرميد الأحمر، عمقها 80 سم تقريباً مزودة بدرجين أحدهما من الشمال والآخر من الجنوب، ليتمكن الشخص الموعوظ (طالب العماد) من النزول فيها من إحدى جهتيها، والخروج من الجهة المقابلة، بعد أن ينال العماد المقدس عن يد أحد الكهنة أو الأساقفة ليصبح مسيحياً.
في أرضية هذا البناء توجد قناة حجرية تسيل منها المياه، ربما، إلى جرن المعمودية في أثناء إقامة الرتبة يحيط بهذا المثمن رواق لإقامة التطواف الطقسي بعد الانتهاء من رتبة العماد. ثم يتوجه المؤمنون إلى الكنيسة المشيدة في جنوب المثمن لاستكمال الطقوس
بنيت هذه الكنيسة أيضاً على الطراز البازليكي (شكل 9) وتتألف من ثلاثة أبهاء وحنية قدس الأقداس في الجهة الشرقية، يقوم إلى جانبيها كل من غرفتي الشهادة والمخصصة للألبسة الكهنوتية.
يعتقد تشالنكو أنه تم بين العامين 476 و 490 بناء المثمن والأجنحة الأربعة للكنيسة حوله وكذلك كنيسة المعمودية. ثم بدئ بمتابعة بناء الدير والمقبرة والكنيسة جنوب المعمودية في نهاية القرن الخامس للميلاد. وكذلك تعود إلى نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الأبنية الفندقية الملحقة بكنيسة المعمودية والقريبة إلى الغرب منها والتي تبين إحدى الكتابات أن بنّاءها كانوا من قرية تل عقبرين القريبة.
ويبدو أن زلزالي العام 526 م و 528 م اللذين دمرا معظم مدينة أنطاكية ربما أطاحا بالقبة الخشبية لكنيسة القديس سمعان. لذا ذكر إيفاغريوس لدى زيارته الكنيسة في 560 م أن العمود كان يواجه السماء بدون قبة أو غطاء.
ولا ننسى ذكر طريق المواكب الصاعدة التي تصل قرية تلانيسوس في سفح الجبل بالكنيسة مروراً بقوس النصر، كان الحجاج يسلكونها وهم يرتلون الأناشيد الدينية والصلوات قادمين لزيارة القديس على عموده أو زيارة العمود والكنيسة بعد وفاته مع التطواف حول العمود وأجنحة الكنيسة.
لماذا سميت قلعة سمعان ؟
ترشدنا الكتابتان اليونانية والسريانية المسجلتان في العام 979 م إلى أن موقع الكنيسة آنئذ كان لا يزال ديراً جرى ترميمه مع كنيسته. ونحن نعلم أن نقفور فوقاس انتصر في العام 969/970 م على الحمدانيين في حلب. وربما فكر بتحصين الدير الواقع عند نقطة مرور هامة استراتيجياً أو تحصين جزء من هذا الدير الذي تم ترميمه في 979 بحسب الكتابة أيام حكم باسيليوس الثاني و قسطنطين الثامن.
عندما حّول الدير إلى قلعة بني السور حول الهضبة بكاملها وجهز بالأبراج العديدة و قد بلغ عددها 13 برجاً، وكان ذلك في القرن العاشر مما جعل التسمية " قلعة سمعان " تطلق على كنيسة القديس سمعان العمودي. ولا زالت بعض الأبراج بادية في السور الشمالي قرب مقبرة الرهبان وفي القسم الجنوبي الشرقي من الأسوار. ولا شك أن هدف القلعة كان حماية طرق المواصلات بين الشمال والجنوب ومراقبة القادمين من السهول الشرقية أو الغربية. ونجد مواقع مماثلة في المنطقة تم تحويلها إلى مواقع دفاعية كما هو الحال في كنيسة خراب شمس وقلعة كلوتا وبراد وباصوفان وتل عقبرين وقلعة سرمدا.
ظلت كنيسة القديس سمعان محجاً للمؤمنين يمكن مقارنته بأماكن الحج المسيحية في فلسطين رغم الدمار الذي لحق بالكنيسة والدير وذلك حتى القرن السادس عشر، حيث كانت تأتيه النساء العاقرات طلباً للحصول على نعمة الأمومة. ويذكر أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي : " دير سمعان فيه آثار عمارة لا يمكن أن يكون في الآفاق مثلها، وفي وسط الدير قطعة عمود ينفع للحمى إذا أخذ من حكاكة الحجر على اسم المريض و ينذر له شيء فإنه نافع مجرب ". كما يلمح مؤرخ حلب ابن العديم إلى ذكر دير سمعان في كتابه : ” زبدة الحلب في تاريخ حلب ". وكان دوسو أول من ذكر في 1896 وجود القلعة في كنيسة القديس سمعان، وقد أكد وجودها الباحثان فان برشم وفاتيو في كتابهما " رحلة في سورية " وذكرا أن القلعة لم تشغل أيام المماليك في القرنين 14 و 15 وربما سكنت بين القرنين العاشر والثاني عشر.
ومما يجدر ذكره أن الأب بولس سباط الحلبي يذكر وجود مخطوطتين برقم 492 و 493 من فهرس مخطوطاته وهما من مجموعة ورثة رزق الله باسيل بحلب، إحداهما رسالة في دير مار سمعان العمودي ورهبانه والأخرى في أديرة مدينة أنطاكية ورهبانها وكلتاهما للراهب قيصر. ولا يعرف مصير المخطوطتين المفقودتين اللتين ربما حوتا معلومات هامة عن أديرة المنطقة وبخاصة دير سمعان خلال إحدى الفترات التاريخية. حبذا لو يوافينا القراء ممن يعرفون شيئاً عن المخطوطتين المذكورتين، بما لديهم، خدمة للعلم والتاريخ.
هذا وفي القرن التاسع عشر قام شيخ عربي بسكن موقع كنيسة المعمودية، بينما قام آغا كردي بالسكن في الجناح الشرقي للكنيسة بعد إقامة الجدران اللازمة لسد الثغرات. وقد قام تشالنكو وكرنكر في الثلاثينات بإزالة هذه الجدران الداخلية حين أجريا أبحاثهما وكشفا عن أرضيات الأجنحة لدراستها وإبرازها وترميم ما أمكن منها.
ويخبرنا تشالنكو بأنه قام بوضع ورق مزفت فوق الكتابتين اليونانية والسريانية اللتين كشفهما كرنكر في البهو الأوسط للكنيسة الشرقية وصب فوقهما عدسة رقيقة من الإسمنت حماية لهما وتمهيداً لنقلهما إلى أحد المتاحف. إلا أنهما لا زالتا مغطاتين في مكانهما حتى الآن.
ويقوم حالياً باحثان فرنسيان هما جان بيير سوديني وجان لوك بيسكوب بمتابعة دراسة عناصر كنيسة سمعان العمودي مع إجراء بعض التحريات والتقنيات وبشكل خاص في أسفل الجناح الغربي للكنيسة المطل على وادي عفرين وإلى الغرب من كنيسة المعمودية. وقد كشفا مؤخراً عن بقايا فسيفساء في ركام الجناح الغربي، ربما يعود إلى بناء الكنيسة الأول في نهاية القرن الخامس للميلاد وننتظر بفارغ صبر نشر دراستهما الهامة بعد استكمال أعمال التنقيب.
العمود رمز القديس سمعان العمودي:
كان القديس سمعان في الأصل راعياً، وبعد اعتلائه العمود حوالي 417 م حتى وفاتـه في 459 م ، كان يقضي بين الناس في خلافاتهم على رعي قطعانهم ومواشيهم. لذا كان لهم المرشد والهادي كأنه السراج المنير على منارة. وأصبح العمود رمزاً لهم يتبركون به ويحميهم مع مواشيهم. من هنا وجدنا رمز العمود منتشراً بكثرة في المعالف وفي تزيينات أبواب الكنائس.. ومن الأعمدة التي وجدت في المعالف نذكر عمود في الطبقة الأرضية من فيلا إلى الغرب من كنيسة خراب شمس، والعمود الكائن في الإسطبل الأرضي مقابل جنوب كنيسة برج حيدر التي لم يبق منها سوى أقواسها وأعمدتها والتي تعود إلى القرن الرابع. ونذكر أيضاً العمود الرائع المضفور الذي يعلوه صليب والموجود بين خرائب القرية القريبة من كنيسة المشبك وهناك أيضاً أعمدة صغيرة في كفر نابو وبراد وتلانيسوس وسواها.

وقد وجد رمز العمود تعلوه علامة الصليب على أحجار قائمة في درابزون القسم الفاصل بين هيكل الكنيسة وأبهائها، مثل عمود بافتين والشيخ بركة وسواهما كما وجد رمز العمود على نجفة المدخل الجنوبي لكنيسة داحس الشرقية في جبل باريشا وعلى نوافذ الواجهة الغربية لكنيسة قلب لوزة وعلى حجر في كفرلاب وسواها.
الأيقونات (الذخائر):
إن كلمة أولوجي تعني في الأصل بركة أو نعمة يحصل عليها بشفاعة القديس. وقد أخذت تعبر في ما بعد عن كل شيء يخص القديس وفضائله وقدرته. وكان الزيت العنصر الأكثر التصاقاً بطقس الشهداء ومنهم العموديون، ومن الأشياء الثانوية كان الشعر والماء وثياب القديس. وكان الزيت يوضع في قنينة تختم بختم العمودي وعليها صورته أو كتابة باسمه. وهكذا انتشر وضع رسم القديس العمودي على ميدالية على شكل قطعة مستديرة تباع في الدير بعد أن تبارك بلمس عمود القديس وتقدم نفس ضمانات النعم التي تقدمها قنينة الزيت للقديس. كان الحجاج يأخذون معهم بقايا ذخائر أو أيقونات ليشاركهم الأهل حين عودتهم إلى ديارهم بالتبارك من الحج. وكانت هذه الذخائر توزع في الكنائس والدور وبخاصة غرف النوم وهي صغيرة الحجم قطرها 2.5-3.5 سم مصنوعة من الزجاج أو الغضار المشوي أو المعدن. وكان يوحنا الذهبي الفم يؤكد على الجانب الروحي الذي يتصف به الزيت المقدس والذخيرة الأيقونة، وكان الاعتقاد الشعبي آنئذ يسود بأنها تؤمن حماية ضد الشياطين وبخاصة العين الشريرة. كما أن الأسقف تيودوره القورشي نفسه يذكر أنه علّق فوق سريره زجاجة زيت مقدس مأخوذة من قبور الشهداء كانت تحميه من زيارة الشياطين.
لقد عرف فن العمارة المسيحي السوري غنى وتنوعاً كبيرين في زخرفة تيجان الأعمدة والنجفات وأشكال الصلبان المختلفة، لكنه تجاهل بشكل مطلق تمثيل الإنسان والحيوان سواء في التماثيل أو الصور مما كان معروفاً سابقاً في الفترة الرومانية اليونانية حيث كنا نجد غالباً التماثيل للأشخاص في المدافن بينما اكتفي في الفترة المسيحية برسم أو نقش الصلبان وأقراصها. وربما يعود ذلك إلى التأثير الشرقي وخاصة لدى المسيحية الأولى المتأثرة باليهودية التي كانت تعارض التمثيل بالصور الإنسانية. إلا أن العموديين كانوا يشكلون استثناء من هذه القاعدة حيث هناك في شمال سورية كمية كبيرة من تمثيلات العموديين على العمود وبخاصة على الأيقونات التي غالباً ما مثل عليها القديس سمعان فوق عموده بقبعته الشهيرة وثوبه (الاسكيم) وعلى جانبيه ملاكان وحمامة، وقرب عموده سلم يرتقي به أحد تلاميذه جالباً الطعام، كما وضع أحياناً فوق العمود شكل صليب رمزاً للقديس بدلاً من صورة وجهه. وهناك صفيحة من الفضة في متحف اللوفر تمثل القديس سمعان على عموده مع السلم وقد أحاط بالعمود ذكر أفعى (حنش) له ذقن جاء يطلب الشفاء لأنثاه الأفعى المريضة التي يمنع اقترابها من القديس كونها أنثى (وهي الأعجوبة رقم 25 التي ذكرها أنطون تلميذ القديس سمعان) وهناك أعمدة وأيقونات عديدة في متاحف العالم مثل اللوفر ومتحف حماه وفي المجموعات الأثرية الخاصة يجب التمييز فيها بين الأيقونة التي تمثل سمعان العمودي الكبير وسمعان الشاب الذي سكن الجبل العجيب قرب أنطاكية 521-592 م.

ومما يجدر ذكره أن هناك أيقونة خشبية رائعة بأبعاد 98.5 × 67 سم من رسم مدرسة حلب للأيقونات والفنان نعمة المصور تعود إلى العام 1699 موجودة في كنيسة السيدة في دير البلمند في لبنان وتمثل القديسين سمعان العمودي الكبير على عموده وتقاطيع أضلاع جزء من جسمه العاري ظاهرة، دليلاً على الصيامات والتقشفات، وإلى جانبه على عمود مماثل القديس سمعان العمودي الشاب في الجبل العجائبي الذي عاش قرب أنطاكية. وقد توزعت حول العموديين صور أشخاص تم شفاؤهم من أمراضهم على أيدي القديسين الناسكين.
كما لا ننسى أن نذكر الخطوط العديدة التي كانت تحفر في جدران الأبراج أو الكنائس القريبة من أماكن تواجد النساك وبخاصة العموديين، وكانت على شكل دائرة فوق خط شاقولي أو بالعكس دائرة فوقها خط شاقولي أو على شكل مظلة في الأعلى وتتراوح أطوالها بين 14 و 32 سم وجميعها ترمز للناسك العمودي وغالباً ما كان يحفر قربها أشكال الصلبان المختلفة. بعضها محاط بهالة أو نصف قوس دائرة من الأعلى أو يستند بعضها على قاعدة. ومعظم الخطوط والأشكال المحفورة تعود إلى القرن السادس وربما حفرت لذكرى حج إلى مكان الناسك أو تيمناً للحصول على البركة أو الحماية من العين الشريرة.
المواقع الأثرية المجاورة لقلعة سمعان:
يقع في محيط قلعة سمعان العديد من المواقع الأثرية، تتألف من قرى، ومدن أثرية قديمة يعود بناؤها إلى ما بين القرنين الأول والسابع الميلادي وقد سكنت في الفترة الرومانية، ومن أهم مظاهرها (الفيلات- المدافن – المعابد الوثنية المنتشرة في قمم الجبال مثل معبد الشيخ بركات وعين دارا وخراب شمس وغيره) . ومن أمثال تجمعات السكن الروماني (القاطورة – خراب شمس) . ومع انتشار الديانة المسيحية في القرن الرابع أخذ بناء الكنائس ينتشر في كل مكان. هذه المدن كانت تتبع في تلك الفترة من الناحية الإدارية إلى مدينة أنطاكية. وهي عبارة عن منتجعات صيفية أو مزارع ريفية لأهالي أنطاكية نظرا لطيب هوائها وجفافه في فصل الصيف، ونهم من يرى أن هذه القرى أقيمت لغرض سكن المزارعين السوريين الذين عمروا هذه المنطقة وساعدوا على ازدهارها زراعيا وتجارياً.
ومن هذه المواقع نذكر:

أ- القاطورة:
اسمها مشتق من السريانية وتعني الصخرة. وهي موقع أثري يقع على السفح الشمالي لجبل الشيخ بركات بين دارة عزة وقلعة سمعان.
تتميز هذه القرية بمدافنها الهامة التي تعود إلى القرنين الثاني والثالث الميلادي، بالإضافة لاحتوائها على دور سكن وفيلات تعود على الفترة الرومانية.
ومن أهم هذه المدافن: المدفن الواقع إلى الغرب من القرية ضمن صخرة كبيرة هائلة وهو محفور بالصخر على ارتفاع ثلاثة أمتار. وقد نصب فوق القبر تمثال الشخص المدفون فيه وهو مضطجع وزوجته جالسة إلى جانبه، ونقش النسر الروماني فاتحا جناحيه فوقه.
بالإضافة إلى كتابة يونانية ولاتينية تبين اسم صاحب القبر (طيطوس فلافيوس جوليانوس)
وهو أحد البارزين في الفرقة الرومانية المسماة (اوغستا) .
وإلى الشرق من قبر طيطوس توجد مقبرة جماعية تحت الأرض تضم ستة عشر قبرا نحتت تماثيل أصحاب القبور فوقها.
ب- ست الروم:
وهي قرية قديمة من العهد البيزنطي تحتضن كنيسة من القرن الخامس الميلادي، وقد سميت باسم السيدة العذراء وسميت بست الروم لتبعيتها للفترة الرومانية والبيزنطية، تحتوي على دير ومباني رهبانية وفيلات، كما تضم مدفنا فوق حجرين منتصبين محفورا في الصخر، ينزل إليه بدرج وقد أقيم هذا النصب التذكاري لوفاة (ايسيدوتوس بن بطليمانوس) يعود إلى سنة (201م) .

LAST_UPDATED2